مقالات

السؤال الحقيقي من البصرة.. هل يولد عراق جديد؟

تجمع صغير لتظاهرة من العشرات أمام إحدى شركات النفط العراقية في مدينة البصرة، كانت نواة الهبة التي تحاصر الحكومة العراقية حصارا هو الألذع على العبادي ووزراءه، الأمر لا يتلخص فقط في الاحتجاجات التي أخذت مساحة لم تكن لتأخذها احتجاجات أخرى في ظل ظروف مغايرة لما هي عليه الأن الساحة السياسية العراقية. الأمر تدرج بشكل متسارع بعد وقفة تطالب بحقوق التوظيف لدى شركات النفط التي تحتل المدينة.

 

تتصاعد أعداد المحتجين مع تزايد الغضب لدى كل فرد منهم، السلطات تضطر لبدأ القمع، ليخلف القمع قتيل وعشرات الجرحى بين المجتجين الذين قرروا تصعيد أكبر، ترتفع الحدة ويقتحم المتظاهرون مطار مدينة البصرة، ثم تبدأ اعتصامات مفتوحة أمام عدد من المنشأت النفطية وأمام مبنى المحافظة، الذي سيتم الإعتداء عليه مرتين من قبل المحتجين في إحداهن سيحرق بشكل جزئي، وفي اليوم التالي سيحرق المتظاهرون القنصلية الإيرانية في المدينة، ثم يتجهوا في الشوراع المؤدية للقنصلية الأمريكية غاضبين لكن الأمن الذي طوق القنصلية يستيقظ ويتحرك سريعا لمنع تكرار الحدث الذي طال الإيرانيين، مع الأمريكيين.

 

منذ 8 يوليو/ تموز، الماضي وحتى 8 سبتمتبر، استدعت التطورات فرض حظر تجوال في المدينة الجنوبية العراقية وانتظار كامل من قبل الجميع لتعامل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي للغز الذي طوق رقبة حكومته وولائهم.

 

الأمر لابد يستدعي نبذة تعريفية عن مدينة البصرة وسكانها، فالمدينة الجنوبية الأخيرة في المحافظة التي تحمل نفس الإسم هي المدينة الأخيرة في العراق نفسه، وتحمل الثقل الجغرافي والإقتصادي الأهم من بين المدن العراقية، وذلك دفعها لتكون المدينة الثالثة من ناحية الأهمية للجمهورية العراقية برغم بعدها جغرافي عن العاصمة والمدينة الثانية الموصل.

 

جغرافيا تعد البصرة المدينة العراقية الوحيدة التي تطل على الخليج العربي، والمدينة الوحيدة التي تطل على منفذ بحري، كما تقع المدينة بين الحدود السعودية والحدود الكويتية خارجيا كما انها مجاورة لإيران، رمزيا تعد المدينة هي مدخل النفوذ الإيراني لكل العراق، داخليا تحد المدينة محافظات المثني وذي مقار وميسان.

 

إقتصاديا تعتبر البصرة عاصمة العراق الإقتصادية منذ نحو العامين، بإحتياطي نفطي يمثل الجزء الأكبر من الاحتياطي العراقي بنحو 65% من الاحتياطي النفطي العراقي الخام مقدرا بـ65 مليار برميل، و15 حقل نفطي كلهم على اليابسة مما يجعل تكلفة انتاج النفط في المدينة الأقل في العالم. بإنتاجية تصل 3 ملايين برميل يوميا، بحسب إحصائيات حكومية.

 

 

المدينة يقطنها نحو 3 ملايين عراقي، يعيشون أوضاع اقتصادية وخدمية هي الأصعب وسط مدن ومحافظات العراق، فالخدمات الحكومية في أسوأ حالاتها من ناحية المياة والصرف والكهرباء والصحة والتعليم، البطالة تطال أكثر من 50% من شبابها وسط حقول النفط التي تدر على الحكومة مليارات الدولارات، هناك فجوة يلاحظها كل العالم وأولهم المحتجون في المدينة بين ما تنتجه مدينتهم وبين ما يحصلون عليه. خط الفقر هو ميزان الحالة الإقتصادية للسكان، الأمور ستزداد سوءا وسط أكوام النفايات التي تملأ شوارع المدينة، إن كل شئ في البصرة يستوجب انتفاضة.

 

 

أسئلة العبادي

 

 

رئيس الحكومة العراقية المنتهية ولايته، وزعيم تحالف النصر صاحب المرتبة الثالثة في الانتخابات العراقية، وضع أمام ورطة أسئلة لا يجد لها إجابات تنهي الأزمة جذريا، فكل ما قدر عليه العبادي حتى الأن، هو كسب الوقت مع محاولات للتهدئة، فهو يقيل وزراء ومسؤولين أمنيين، كما يطلق وعود هنا وهناك وكأنما يقدم وعودا انتخابية.

 

تحاصر الإحتجاجات العبادي من جميع الجهات، فهو لا يقدر على الافلات منها، فبينما هو يبحث عن الحفاظ على مقعده كرئيس للحكومة بعد موقف ضعيف لتحالفه بالإنتخابات بالإضافة لموقفه المهدد وسط المفاوضات السياسية الباحثة عن رئيس للوزراء، ويقدم نفسه كرجل دولة، ثم يجد نفسه في مواجهة احتجاجات تطالب جميع الساسة والوزراء بالابتعاد عن الساحة العراقية الحاكمة وافساح الطريق لنخب جديدة.

 

لأسباب عديدة لم يتمكن العبادي من إجابة أيا من الأسئلة التي تقف في وجهه حتى الأن، أول تلك الأسباب هي ان وعوده وكلماته عن المستقبل، وحديث مسؤولين أخرين عن تحسن في الوضع، لم يعد ينطلي على العراقيين في الجنوب، كما لم يعد ينطلي عليهم الحديث عن انتظار تشكل الحكومة الجديدة، السبب الثاني وهي أن العراق بعد نهاية داعش لم يعد للحكومة الحجة الأثيرة في محاربة التنظيم المتطرف، كما لن تستطيع الحكومة الصاق صفة الطائفية على المتظاهرين حيث يقطن الجنوب العراقي أغلبية شيعية، السبب الأهم وهو أن التظاهرات والإحتجاجات تضع يدها على مكمن الإرادة الشعبية، فالمتظاهرون ليسوا أنصار فصيل سياسي كما أنهم ليسوا فئووين او طوائف، بينما هم عراقيون يبحثون عن ظروف معيشية أفضل بعيدا عن أسئلة السياسة والمناوارات التي لا يفهم سواه العبادي، ويستطيع الإجابة عنها بكل سهولة، القضية بسيطة وواضحة تماما، مواطنون يريدون عائد ثرواتهم التي توزعه السلطة الحاكمة، فلابد ان الإجابة هي أن تلبي الحكومة مطالبهم.

 

 

 

لكن لماذا لم تلبي الحكومة مطالب المحتجين؟

بالنسبة للعبادي فالإجابة ليست بتلك البساطة، فهي تتعقد عليه حد أنه لا يستوعب بساطة جملة يطلقها محتج يطالب العبادي فيها بالرحيل، لكنه يرى تشابكات المصالح والسياسي التي لا تمكنه سوى بالإجابة الخطأ ذاتها التي تطلقها حكومته عن مبادرات تشغيل الشباب، ووعود بتحسن الحالة الإقتصادية والخدمية، من أجل تسكين الشارع حتى تنتهي الإحتجاجات وتنسى المبادرات والوعود، التي تواجه صعوبات أعوام من الفساد وسوء الإدارة.

 

 

إجابات الصدر

 

 

 

الزعيم الشيعي مقتد الصدر، اللغز الأبرز بالنسبة للعراقيين في السنوات القليلة الماضية، بدأ في الظهور على حساب العبادي في أول مواجهة حقيقية بين الاثنين في العراق بعد الإنتخابات العراقية الأخيرة التي ربحها بفارق بسيط رجل الدين مقتدى الصدر، الرجل الذي بدأ نشاطاته العامة كرجل عسكري يخوض نضالا ضد القوات العراقية، والذي كانت تصفه مجلة نيوزويك الأمريكية، “أخطر رجل في العراق”، لينهي حياته العسكرية بالرحيل للدراسة في إيران عام 2007، ثم يعود بعدها بأربعة سنوات في 2011، بعباءة رجل السياسة ليقود فصيل يقوى يوما بعد يوم ليخلخل الهيمنة الأمريكية والنفوذ الإيراني في بلاده.

 

الصدر يظهر دائما بأنه لا ينتمي لأي النفوذين المتصارعين في العراق، وهو النفوذ الإيراني والنفوذ والأمريكي، بل إنه دائما ما يهاجم النفوذين في بلاده ويظهر كرجل استقلالي بالمقام الأول، في 2004 وصف الحالة العراقية بعد نهاية حكم صدام حسين وسيطرة القوات الأمريكية على البلاد، “لقد غادر الثعبان الأصغر، وجاءت الحية الأكبر”، ليتلوها عشرات التصريحات التي تنتقد الوجود الأمريكي في العراق سواء بالنضال العسكري أو حتى العمل السياسي، لكنه يعاود إمساك العصا من منتصفها، ليوجه الانتقادات ذاتها للنفوذ الإيراني مؤكدا أمله في تولي حكومة وطنية مستقلة شؤون البلاد.

 

الصدر بدأها بلفت الأنظار بتصريحاته المتزنة التي تعبر لا عن رجل دولة فقط ولكن خبير سياسي وخبير استراتيجي أيضا، فبعد اعلان العبادي نهاية تنظيم داعش الإرهابي عسكريا، ليسارع الصدر بإعلان حل تياره العسكري لينضوي تحت لواء القوات الحكومية، مطالبا الجماعات المسلحة باتخاذ نفس المسار، ثم يتوالى الصعود الصدري كنفوذ سياسي وجماعة ضغط سياسي، ليبني قاعدة شعبية بدأت كشريحة صغيرة، لكنها صعدت فيما بعد لتصدر الإنتخابات.

 

الصدر خلال عامين اثنين منذ بدأ الحرب على داعش وحتى الإنتخابات كانت لديه المقدرة الكبيرة على التطور من الناحية الفكرية، كما أنه يتميز بميزة أخرى غير التطور وهي مقدرته على قبول وتقبل الجميع، فالزعيم الشيعي استطاع التحالف مع الشيوعيين والسنة بالإضافة للعديد من مختلف التيارات السياسية العراقية، قد يدفع ذلك على التفكير في الأمر بحسن نية، أو حتى يمكن روؤية مدى البراغماتية الواضحة في زيارته الرياض ولقاء ولي العهد السعودي، لكنه يتمتع بالمظهرين، حسن النية لمن هم أقرب لتياره، أو البراغماتي لخصومه، لكن بكل حال فإن ذلك مفيد للغاية لأي رجل دولة.

 

يقول روبرت فورد نائب السفير الأمريكي بين 2008، و2010 “إنني مندهش جداً من تغيير الصدر لخطابه السياسي ولنوع سياساته حيث أصبح أقل إسلامية وأكثر وطنية”، لابد وأن تطور الصدر، أتى من أقصى الإسلاموية الطائفية إلى الوطنية القومية المستقلة.

 

يعني الإحتجاجات العراقية في البصرة العراقية، تشتهر بدايةً، المدينة بثقل نفوذ التيار الصدري فيها منذ أن كان يتزعم جيش المهدي ويواجه القوات البريطانية إبان غزو التحالف الدولي للعراق، وحتى لو يمكن قياس ذلك بالانتخابات، فبرغم أن ائتلاف الصدر لم يأتي أولا في مدينة البصرة، الا ان عمل دؤوب كعمل الصدر قد يمكنه من تزكية تلك الشعبية، فيمكن للصدر أن يأتي متصدرا ومنفردا، ولكن الانتخابات ليست فيصلا الأن بعد نهايتها وحسمها لصالحه هو نفسه.

 

بنحو ما يتمكن الصدر من اختيار تصريحاته واختيار مناسباتها، لذا فهو يضع تصريحاته في أماكنها مثل قطع الدومينو بشكل محسوب وبكثير من الحظ ينال مايريد، يستطيع الصدر التدرج بالتصريحات وفق تصاعد الأحداث وتواليها بشكل تدريجي ذكيا.

 

الصدر بدأ التعليق على الإحتجاجات، بالمطالبة بتلبية إحتياجات المحتجين، كما لم ينسى أن يتحدث كرجل دولة مطالبا المتظاهرين بضبط النفس والحفاظ على المنشآت، تتوالى الإحتجاجات وتتوالى تعليقات الصدر الموالية للإحتجاجات والداعمة لها، حيث طلب مرة بإيقاف مباحثات تشكيل الحكومة، من أجل التركيز على مطالب المحتجين، مرة أخرى يظهر الصدر مدى انحيازه لإرداة الناس على السياسة ومتطلباتها، عندما يكرر مهاجمته للفساد ومطالبته بمكافحته، ولكن تلك المرة مع تطور الإحتجاجات بالتحديد عندما تعالت الأصوات المطالبة برحيل الحكومة ومحاربة فسادها.

 

الصدر أجاب الإجابة التي يراها الشارع صحيحة، يجيبها في كل مرة، بداية من إنحيازه للفقراء، مطالبته بمكافحة الفساد، انحيازه للإحتجاجات، انتقاده لحكومة العبادي، انتقاده لكل الساسة، لا يستخدم الصدر لهجة الشارع العراقي لكنه يقف على نفس الخط، يظهر نفس الاهتمامات، ولم يقف حتى الأن موقف الزعيم الأوحد، ولم يعلن بوضوحه سعيه لمنصب، وبرغم أن الطريق في منتصفها في مباجثات تشكيل الحكومة، وحتى في بدايتها من ناحية الإحتجاجات، إلا أنه على ذلك المنوال فإن تغيير العراق جذريا قد تأتي من داخل البيت الشيعي ذاته بإجابات مختلفة.

 

الساعة 25

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق