موقف
الحياة موقف، الانسان موقف، النصر موقف، الحافلة تحتاج لموقف، وربما تخفى القمامة في مواقف العربات

بعد سنوات من قتله.. ما حقيقة “الملاك” أشرف مروان؟

0

الوقت: ظهر الأربعاء السابع والعشرين من شهر يونيو لعام 2007

المكان: الدور الرابع ببناية في شارع كارلتون تيراس هاوس، بوسط لندن

الحدث: مقتل أشرف مروان أشهر شخصية جاورت الزعيمين جمال عبد الناصر وأنور السادات، بل واقترب أيضا من حسني مبارك صاهر الأول في ابنته منى عبد الناصر، وأصبح المستشار السياسي والأمني للثاني، ولم يتوقع أبدأ أن تكون نهايته ملقى من بلكون شقته بمنطقة سانت جيمس بارك، بوسط العاصمة البريطانية دون أن يتعرف شرطة سكوتلاند يارد، عن قاتله حتى الآن ليصير أشرف مروان لغزا في حياته وبعد موته.

 

  

 

فلم يتوقع أكثر المتشائمين في العمل السياسي أن تكون نهاية أشرف مروان صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بهذا الكم من الغموض التي لم يُكشف عنه حتى الآن، فهيئة الإذاعة البريطانية تصرح عبر شرطة سكوتلانديارد إنه لا توجد شبه جنائية وراء حادث مقتله، وزوجته منى عبد الناصر تتهم الموساد بقتله لأنه كان جاسوساً عليهم.

أما الأمر الأكثر دهشة، هو كم المعلومات الاستخباراتية التي تشير إلى أن أشرف مروان لم يكن يعمل لصالح مصر فقط، وإنما متورط في عمليات تجسس لصالح إسرائيل ودوره في حرب أكتوبر 1973، وهو ما أورده كتاب تحت عنوان (حرب يوم الغفران، زمن حقيقي) والتي نقل الكاتب فيه أن مروان كان عميلاً لجهاز “الموساد” وأنه نقل للاستخبارات الإسرائيلية تحذيرات من اندلاع حرب عام 1973 كما استمر بتزويدها بمعلومات مهمة جدًا خلال الحرب.

لكن الغريب أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات منحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديرًا لما قام به من جهود خلال حرب أكتوبر 1973، وهو ما يدحض الشكوك الإسرائيلية ويدعم انه كان عميلا مزدوجاً وخبرته وما قدمه لبلاده مصر خلال الفترة من 1974-1979 والتي ترأس فيها الهيئة العربية للتصنيع واستطاع توفير قطع الغيار اللازمة للقوات الجوية.

 

 

 

كما دافع عنه حسني مبارك قائلا:” نفذ أعمالا بطولية، الوقت ليس مناسبا للكشف عنها، ولم يتجسس لصالح أحد” وهي مقولة تنسف كل التصريحات الواردة من الاستخبارات الإسرائيلية التي كانت تعتبره عميلا مزدوجا واختلفت الآراء حوله…فمن هو أشرف مروان وما هي أصل حكايته؟

سيرة ذاتية

أشرف أبو الوفا مروان، ولد في يناير لعام 1945، والده هو اللواء أبو الوفا مروان، تولى إدارة سلاح الحرب الكيماوية قبل خروجه للتقاعد ثم أوكلت إليه شركة مصر للأسواق الحرة، حصل أشرف على بكالوريوس العلوم من جامعة القاهرة سنة 1965، ثم الدكتوراه في نفس التخصص من جامعة لندن سنة 1974، وكان قد التحق بالقوات المسلحة سنة 1965، فعمل بالمعامل المركزية للقوات المسلحة وبعدها مساعدً لجمال عبد الناصر، وفي سنة 1970 أصبح المستشار السياسي والأمني للرئيس الراحل أنور السادات بعد وفاة عبد الناصر

ترأس أشرف مروان الهيئة العربية للتصنيع 1974 -1979، ثم تقاعد وعاش في لندن ببريطانيا كرجل أعمال حتى توفي في 27 يونيو 2007.

له ولدان هما جمال وأحمد، وخمسة أحفاد أشرف ومحمود ومريم جمال مروان، ومحمد وأمينة أحمد مروان أبناء السيدة هانيا عمرو موسى، كريمة الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية.

 

 

 

كان أشرف مروان أذكى وألمع زملائه، فوجوده في المعامل المركزية ووالده هو المسئول عن الأسواق الحرة ولقربه من جمال عبد الناصر، فتزوج من ابنته منى عبد الناصر ثم عُين مباشرة برئاسة الجمهورية حتى وصل إلى منصب سكرتير مساعد للمعلومات مساعدًا لسامي شرف حتى وفاة عبد الناصر وهو منصب خطير للغاية خاصة في فترة المناوشات والنكسة مع إسرائيل، ثم عينه الرئيس السادات سكرتيرًا للمعلومات بدلاً من سامي شرف مايو 1971.

نال مروان ثقة الرئيسين عبد الناصر والسادات الذي عينه الأخير مبعوثًا شخصيًا له منذ العام 1971 إلى جميع رؤساء الدول العربية والأجنبية وملوكها، خلال رئاسته للهيئة العربية للتصنيع، وبمنصبه عقد أشرف مروان العديد من الصفقات والاتفاقيات المشتركة مع فرنسا وانجلترا من أجل توفير قطع الغيار للمصانع الحربية وتطوير تكنولوجيا التسليح.

حكاية العميل المزدوج

كل الحكايات التي سُردت ونُسجت حول أشرف مروان من قبل الجانب المصري والإسرائيلي لا تُسمن ولا تُغني من جوع ، فكلا الطرفين يعتبرانه بطلا قومياً وتصبح الحقيقة تائهة بين العميل والخائن ، لكن مما لا شك فيه أن حديث محمد حسنين هيكل وهو الأقرب لعبد الناصر يشير إلى شواهد رآها بعينه تؤكد العلاقة الوثيقة وغير العادية بين أشرف مروان والرئيسين السادات ومبارك ومن قبلهما عبد الناصر ، ومتحدثاً عن الدور الرهيب لأشرف مروان في محادثات وصفقات السلاح لمصر وليبيا ودول أفريقيا ، ثم يتحدث عن حالة السُعار الإعلامي لدى إسرائيل وتسريب الأخبار من إسرائيل تلّمح إلى أنه كان “عميل إسرائيل” الذي أخطر الموساد بتوقيت حرب 73 وبيّن من المعلومات ان الهجوم سوف يكون على الجبهتين المصرية والسورية في نفس الوقت.

 

 

 

وخلال التحقيقات التي أُجريت في تل أبيب حول أسباب هزيمة إسرائيل أشار الجنرال زفى زامير رئيس الموساد وقتها، أنه وصلته خطط ومواقيت الهجوم من “مصدر مصري موثوق”، بينما ألمح الجنرال إيلي زائيرا رئيس أمان “المخابرات العسكرية الإسرائيلية” إلى أن تقديره ورؤيته أن “المصدر المصري” كان مدسوسا على إسرائيل، و”عميلا مزدوجا” والدليل أنه أبلغ إسرائيل بوقوع الهجوم المصري في السادسة مساء، بينما وقع الهجوم فعلا في الثانية بعد الظهر، ثم ما لبث ان تكشف أسم العميل بانه ” أشرف مروان ”

المفاجأة التي يكشفها هيكل هو أن توقيت الحرب فعلياً كان السادسة مساءً وهذا رأي القيادة المصرية ، بينما رأت القيادة السورية أن يكون التوقيت السادسة صباحا للاستفادة من نور النهار ، فتدخل حافظ الأسد وجعل التوقيت منتصف النهار ، ويشير هيكل إلى أن أشرف مروان غادر مصر في 2 أكتوبر متوجهاً إلى ليبيا لإبلاغ القذافي بموعد الهجوم في السادسة مساءً ومعنى ذلك أنه لم يكن موجوداً في مصر وقت تغير موعد بدء الهجوم وهو ما يُلقى بظلاله على الموضوع برمته حتى ان هيكل رأى أن كرامة مصر وسمعة أشرف مروان تتطلب وجود تحقيقا مصريا في الموضوع بواسطة هيئة رفيعة المستوى تضم عناصر قضائية وبرلمانية وتمثل فيها المخابرات الحربية والمخابرات العامة في مصر، لمعرفة هل كان مروان عميلا إسرائيلياً أم عميلا مزدوجاً.

من قتل أشرف مروان؟

تطايرت الروايات الكثيرة حول مقتل أشرف مروان ما بين نهاية طبيعية لعميل مزدوج، وما بين اختلاف بين الشركاء، وثالثة تشير إلى أيادي أوربية منعته من اطلاع الناس عن الحقائق التي كان يحتفظ بها ، لكن المؤكد ان قتل مروان لغزاً لم يفك شفرته أعلى الهيئات الشرطية في العالم.

حسب مذكرات الرئيس السابق حسني مبارك والتي نشرتها صحيفة روز اليوسف اليومية قال ” إن أشرف مروان قتله القذافي لخلاف بينهما حول عمولات سلاح لدول أفريقية والذين ألقوه من الدور الرابع كانوا من المخابرات الليبية… ولم يصدر تكذيب للمذكرات وما جاء فيها”.

 

  

أصابع إسرائيلية

على الجانب الآخر ، ظهر كتاب صدر في لندن تحت عنوان “تاريخ إسرائيل” للمؤرخ والضابط الكبير السابق في الجيش الإسرائيلي أهارون بريجمان والذي أذاعت مقتطفات منه هيئة الإذاعة البريطانية في تقريرها بعنوان «زوج الابنة الذى أسقط إسرائيل في فخه» في يوم 12 أبريل 2002 ، حيث قالت فيه إن إسرائيل سقطت يوم السادس من أكتوبر 1973 في فخ نصبه لها بإحكام «عميل مزدوج مصري» وكان من أهم أسباب فشل الجيش الإسرائيلي في الاستعداد لمواجهة الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية وهو ما يشير لأصابع إسرائيلية في عملية التصفية الجسدية لمروان

تعتيم بريطاني

وجه المصريون انتقادات حادة إلى شرطة سكوتلانديارد مع مقتل أشرف مروان والبطء الغريب في التعامل مع مقتله رغم انه أحد رجال الأعمال ورئيساً لأكبر هيئة تصنيع أسلحة في الشرق الأوسط، فهاجموا بريطانيا عبر وسائل الإعلام، لكن يأتي العام 2010 التي قضت محكمة التحقيق العلنية البريطانية على كل أمل في معرفة الجاني الحقيقي بالتأكيد على أن أسباب وفاة أشرف مروان غير معروفة، في ظل نُدرة الأدلة التي قدمتها الشرطة البريطانية وشهادات الشهود وأنها لا تدعم أي فرضية بشأن وفاته ، مما جعل أرملته منى عبد الناصر تُعبر عن رضائها عن الحكم “لأنه يُثبت أن أشرف لم يمت منتحرا”

  

عملاء الموساد

لكن منى عبد الناصر، عادت من جديد وأطلت بعد وفاة زوجها بثلاث سنوات في مقابلة حصرية مع صحيفة الأوبزرفر التي أشارت فيها إلى أن مروان كان يعتقد قبل وفاته أن حياته في خطر، وإنها اكتشفت ذلك من خلال اختفاء مشروع مذكراته الشخصية بعد رحيله من رف كتبه علما بأن المذكرات في حال نشرها كانت ستفضح أسرار أجهزة الاستخبارات في منطقة الشرق الأوسط.

خاصة إنها كانت نسخة وحيدة معروفة من مذكرات مروان، وقد تألفت من ثلاثة أجزاء‏‏ يقع كل منها في‏200‏ صفحة، اختفت مع الشرائط المسجل عليها مضمون هذه المذكرات‏”.

الغريب أن مني عبد الناصر كشفت عن تصريحات خطيرة لزوجها قبل وفاته بتسعة أيام تشير إلى وجود فرق اغتيال تتعقب حركته.

لتوجه أصابع الاتهام صراحة إلى الموساد التي تراهم هم أصحاب المصلحة من وراء اغتيال زوجها.

كما فجرت مفاجأة قوية باتهامها للشرطة البريطانية بالإهمال الجسيم، خاصة أن ضباط التحقيق البريطانيين فقدوا زوج الأحذية الذي كان يرتديها مروان عند سقوطه من الشقة علما بأنه كان يمكن أن ينطوي على معلومات مهمة بشأن حمضه النووي وبالتالي معرفة إن كان قد قتل فعلا أم أنه سقط من الشرفة.

حتى أنها ذكرت معلومات أشار بها شاهد عيان يشير إلى رؤيته لرجلين لهما ملامح شرق أوسطية في شرفة شقته بعد دقائق من سقوطه منها.

 

حكاية صفقة “اليمامة”

الغريب في مقتل أشرف مروان أن الأمر لا يتوقف عند الإسرائيليين فقط، خاصة إن محمود جامع، المستشار السابق للرئيس المصري الراحل أنور السادات فجر مفاجأة من العيار الثقيل بتأكيده على تورط أشرف مروان في صفقة أزمة “اليمامة” الخاصة بالأسلحة البريطانية للسعودية.

وهذه الصفقة حصلت السعودية بموجبها على كميات كبيرة من الأسلحة التي بلغت قيمتها مليارات الجنيهات الإسترليني، وقيل إن مروان كان وسيطاً لإتمام الصفقة، وهذه الصفقة أغضبت دولا كبرى مثل أمريكا وفرنسا واعتبرت أن ما قام به مروان ضربة في الظهر لإنجاز هذا الملف لصالح السعودية وربما كانت “اليمامة” دافعاً لقتله.

وأجزم جامع في شهادته للتاريخ أن أشرف مروان قُتل ولم ينتحر، في ظل علاقاته المتشعبة بتجارة السلاح التي استهوته وهم من وراء قتله، فقد كان يهوى دور وسيط صفقات السلاح مع تجار السلاح العالميين، حيث كانت تربطه بهم علاقة كبيرة بتجارة السلاح خاصة الميراج والصواريخ وكان إلي جانب علاقته بالزعيم الليبي معمر القذافي فكان يجلب له السلاح من أوروبا، لذلك يظل هذا الاحتمال قويا نظرا لأن تجارة السلاح تديرها مافيا خطيرة.

  

البيزنس أم السياسة

دارت الأقاويل والأحاديث حول مقتل أشرف مروان، لكن الأمر الذي لا جدال فيه أن قتل أشرف مروان لن يخرج عن سببين لا ثالث لهما، البيزنس أو السياسة، فالأول لان مروان تربح من خلال إسناد صفقات شملت سيارات وطائرات وأسلحة لحسابه الخاص، رغم ما دفعة البعض عنه بأنه كان يتاجر لحساب الدولة والهيئة العربية للتصنيع التي كان يرأسها.

بينما السبب الثاني هي السياسة التي أدت لخلاف بين مروان وجيهان السادات كان على آثره إعفاءه من مركز المعلومات برئاسة الجمهورية وابتعاده عن السادات مرورا بذهابه إلى لندن ليصبح فريسة لمن يريد تصفية الحساب مع أشرف مروان … فهل كان مروان على موعد مع الطريقة المثلي للتخلص من المنافسين مثلما حدث مع الليثي ناصف وسعاد حسني وكلاهما في لندن أم باتت لندن هي مسرح الأحداث الصريح للخلاص ممن يغضب عليهم النظام أو يريدهم الكيان الصهيوني لغلق ملفات لا يريد أحد فتحها حفاظاً على الصداقة السياسية.

 

أشرف مروان … الملاك ونتفلكس

كان من الممكن أن تمر الذكرى السنوية لوفاة أشرف مروان كالمعتاد مرور الكرام، لولا ظهور طارئ مفاجئ قلب الدنيا رأساً.

حادثة أثرت في ردة فعل وسلوك المصريين تجاه أشرف مروان الذي يعتبره البعض بطلا قوميا، تلك الأزمة تمثلت في طرح شركة إسرائيلية تُدعى “نتفليكس ” للإنتاج الفني برومو فيلم يتعرض لقصة حياة أشرف مروان تحت اسم ” الملاك”، والذي تنوي الشركة عرضه تجارياً خلال الشهر الجاري.

الفيلم من إنتاج شركة نتفلكس وإخراج الإسرائيلي أرييل فرومن وسيناريو ديفيد آراتا، ويلعب شخصية أشرف مروان -الممثل الهولندي مروان كنزاري-بينما يلعب دور عبد الناصر -الممثل الأمريكي وليد زعيتر-يلعب دور الرئيس السادات -الممثل الإسرائيلي ساسون غاباي- ويتناول قصة حياة أشرف مروان، الذي يعرف بـ«الملاك» داخل جهاز الموساد.

بمجرد ظهور البرومو الخاص لفيلم الملاك ، انتابت السوشيال ميديا عاصفة من الانتقادات خاصة من جانب المصريين لانهم متأكدون من كتابة الفيلم بما يخدم وجهة النظر الإسرائيلية، التي دوماً ما تؤكد على أن أشرف مروان صهر الرئيس جمال عبد الناصر يعد جاسوسا خدم لصالح إسرائيل طوال سنوات حياته، وبالتالي فقد استغل كل مميزاته وقربه من السلطة إلى خدمة الكيان الصهيوني ، بل وأنقذها من الفناء، وهو ما يشير إليه بوضوح الفيلم الإسرائيلي The Angel: The Egyptian Spy Who Saved Israel، وهو مأخوذ عن قصة كتاب ” الملاك” ، الصادر للكاتب الإسرائيلي يوري بار جوزيف، الذي يؤكد أن مروان قدم للمخابرات الإسرائيلية معلومات قيمة عن مصر في الفترة من 1969 حتى 1975 فهل تنتهي أزمة أشرف مروان البطل المصري او الجاسوس الإسرائيلي عند هذا الحد ، أم تستمر حكاياته قبل وبعد موته ليظل المصريين خاصة والعرب عامة في حيرة من أمرهم .. من يكون أشرف مروان.

 

 

المصدر: الساعة 25

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.